القرطبي

85

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( إنها لإحدى الكبر ) جواب القسم ، أي إن هذه النار " لإحدى الكبر " أي لإحدى الدواهي . وفي تفسير مقاتل " الكبر " : اسم من أسماء النار . وروي عن ابن عباس " إنها " أي إن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم " لإحدى الكبر " أي لكبيرة من الكبائر . وقيل : أي إن قيام الساعة لإحدى الكبر . والكبر : هي العظائم من العقوبات ، قال الراجز : يا بن المعلى نزلت إحدى الكبر * داهية الدهر وصماء الغير وواحدة ( الكبر ) ، كبرى مثل الصغرى والصغر ، والعظمى والعظم . وقرأ العامة ( لإحدى ) وهو اسم بني ابتداء للتأنيث ، وليس مبنيا على المذكر ، نحو عقبى وأخرى ، وألفه ألف قطع ، لا تذهب في الوصل . وروى جرير بن حازم عن ابن كثير " إنها لحدي الكبر " بحذف الهمزة . ( نذيرا للبشر ) يريد النار ، أي أن هذه النار الموصوفة " نذيرا للبشر " فهو نصب على الحال من المضمر في " إنها " قاله الزجاج . وذكر ، لان معناه معنى العذاب ، أو أراد ذات إنذار على معنى النسب ، كقولهم : امرأة طالق وطاهر . وقال الخليل : النذير : مصدر كالنكير ، ولذلك يوصف به المؤنث . وقال الحسن : والله ما أنذر الخلائق بشئ أدهى منها . وقيل : المراد بالنذير محمد صلى الله عليه وسلم ، أي قم نذيرا للبشر ، أي مخوفا لهم ف‍ " - نذيرا " حال من " قم " في أول السورة حين قال : " قم فأنذر " [ المدثر : 2 ] قال أبو علي الفارسي وابن زيد ، وروي عن ابن عباس وأنكره الفراء . ابن الأنباري : وقال بعض المفسرين معناه " يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر " . وهذا قبيح ، لان الكلام قد طال فيما بينهما . وقيل : هو من صفة الله تعالى . روى أبو معاوية الضرير : حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزين " نذيرا للبشر " قال : يقول الله عز وجل : أنا لكم منها نذير فاتقوها . و ( نذيرا ) على هذا نصب على الحال ، أي " وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة " منذرا بذلك البشر . وقيل : هو حال من " هو " في قوله تعالى : " وما يعلم جنود ربك إلا هو " . وقيل : هو في موضع المصدر ، كأنه قال : إنذار للبشر . قال الفراء : يجوز أن يكون النذير بمعنى الانذار ، أي أنذر إنذارا فهو كقوله تعالى : " فكيف كان نذير " أي إنذاري ، فعلى هذا يكون راجعا إلى